ابن قيم الجوزية
268
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
فصل وأما الخذلان فقال تعالى : إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ( 160 ) [ آل عمران ] . وأصل الخذلان الترك والتخلية ، ويقال للبقرة والشاة إذا تخلفت مع ولدها في المرعى ، وتركت صواحباتها : خذول . قال محمد بن إسحاق في هذه الآية : إن ينصرك اللّه ، فلا غالب لك من الناس ، ولن يضرك خذلان من خذلك ، وإن يخذلك ، فلن ينصرك الناس ، أي : لا تترك أمري للناس ، وارفض الناس لأمري . والخذلان : أن يخلي اللّه تعالى بين العبد وبين نفسه ، ويكله إليها ، والتوفيق ضده ، أن لا يدعه ونفسه ، ولا يكله إليها ، بل يصنع له ، ويلطف به ، ويعينه ، ويدفع عنه ، ويكلؤه كلاءة الوالد الشفيق للولد العاجز عن نفسه ، فمن خلّي بينه وبين نفسه ، فقد هلك كل الهلاك ، ولهذا كان من دعائه صلى اللّه عليه وسلم : « يا حيّ يا قيوم يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام ، لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث ، أصلح لي شأني كله ، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك » « 1 » . فالعبد مطروح بين اللّه وبين عدوه إبليس ، فإن تولّاه اللّه ، لم يظفر به
--> ( 1 ) صحيح رواه أحمد ( 5 / 42 ) عن أبي بكرة ، والقسم الأول من الحديث رواه أحمد ( 3 / 158 ، 245 ) عن أنس . والظاهر أن المؤلف قد جمع بين حديثين .